رسالة إلى الأخ محمد جميل منصور، المحترم.

بواسطة yahya


بقلم / محمد الكوري ولد العربي.
الموضوع: اللغة العربية .. و الموقف منها.
الحقيقة أن هذه الرسالة ليست موجهة لشخص الأستاذ محمد جميل منصور  ، حصريا؛ و إنما هي موضوع لنقاش المسألة اللغوية  مع من يشتركون معه في الموقف المذبذب حيال استخدام اللغة العربية ، و لو رمزيا، في نتف  من نوافل  المراسلات أو المعاملات الرسمية  بأي مرفق عمومي في الجمهورية الإسلامية الموريتانية..
الواقع أنني اصطفيت الأستاذ محمد جميل منصور ، عنوانا لهذه المناقشة، لأكثر من اعتبار ؛ من ضمن ذلك أنه " مفلوش" من رذيلة الردود البذيئة و السفيهة التي قل من يتورع عنها من المنتسبين لفكر جماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا.
أخي محمد جميل! 
أعرف أنكم تجيدون اللغة العربية، نطقا و تحريرا، و تحثون الخطى و تضاعفون الجهود لتعلم اللغة الفرنسية - و كله خير ! 
مع ذلك، لا يخامروني أدنى شك أنه لو كان مستوى إتقانكم للغة الفرنسية مساو لإتقانكم للغة العربية ، لأجمع الناس على سماع المصاحف تشكو من الهجران في بلاد شنقيط! 
سيدي الفاضل! 
أعرف أيضا أن دافعكم في اتخاذ اللغة العربية ظهريا و احتفائكم بخصيمها- اللغة الفرنسية- إنما يندرج في نضالكم من أجل العدل و المساواة بين عرب موريتانيا و زنوجها، الذين تحسبونهم على فرنسا و لغتها؛ كل ذلك في إطار نضال أشمل من أجل تحرير الشعب الموريتاني من الظلم و الفساد و الاضطهاد... أفلا تنبهتم، و أنتم النبيه اليقظ، إلى أنكم في نضالكم المجيد هذا تنافحون ، على الحقيقة، لإبقاء النفوذ الاستعماري الفرنسي مقيما، مهيمنا على موريتانيا بكل أعراقها من خلال فرض وصايتها اللغوية على إدارة شعبها ، بوصفها، في رؤيتكم، شرطا لا غنى عنه "لديمومة " و تحصين وحدة الشعب الموريتاني؟! 
فما سر جاذبية اللغة الفرنسية عليكم : هل هو حقا العدل تجاه أقلية ناطقة بالفرنسية، و ماذا عن العدل إزاء الأكثرية الناطقة باللغة العربية ، التى تظاهرتم عليها لتحرموها من حقها في استخدام لغتها على وطنها، و من التمتع بسيادتها كاملة ؟! 
أخي محمد جميل منصور ! 
كل هذا النقاش بهدف الوصول إلى جوهر دوافع موقفكم من اللغة العربية ... فهل أبصرتم،  في استخدام اللغة العربية من ظلم غير العرب من الأقوام و الأعراق،  ما لم يبصره الأولون من الصحابة و الصالحين ؟ بمعنى أقرب ، هل كان في تعريب إدارة و مراسلات و معاملات المسلمين في المدينة و دمشق و بغداد و القاهرة و القيروان ...عيب فكري أو انحراف عن عدالة الإسلام ، جئتم تصححون العيوب التاريخية و تقومون الانحراف الديني ؟ و هل قرأتم في مختلف مصادر التاريخ، و أنتم القارئ النهم، أن سبب ضياع الأندلس من العرب  كان من أسبابه استخدام اللغة العربية في إدارة شؤون المسلمين بتلك البلاد؟.
أخي محمد جميل !
حين اكتشف الإنسان أهمية التنظيم في حياته، عمل على تطوير أساليبه حتى أصبح فنا قائما على أصوله ؛ و كانت أبرز أصول التنظيم اللغة التي يتوحد عليها شعب مقيم  في إقليم معين؛ لما توفره من إمكانية التواصل و التفاهم و استمزاج قيمه الثقافية؛ و لما فيها من صون لوحدته من الضياع و التشتت؛ و من هنا نشأت فكرة "الأمن اللغوي"، في الدولة الحديثة،  المتأسسة على توحيد الأقوام و الأعراق و المعتقدات باللغة الرسمية  ، و تسهيل كشف المندسين فيها عند الاقتضاء. 
لهذه الأهمية المركزية للغة في وحدة الشعوب ، تنبه المستعمر الفرنسي البغيض ، فسارع،أولما دخل قطرنا، إلى ضرب اللغة العربية بوصفها عصب الوحدة بين مكونات شعبنا ؛ فأحرق محاظر الزنوج  و نفى كبار  علمائهم في وادي النهر و قتل من قتل منهم ؛ و باشر في إنشاء مدارس أكثر تميزا و أرقى مستوى لغويا في قراهم ، محل محاظر اللغة العربية،  مما بناه من مدارس " سطحية" ، بمستويات متدنية في مناطق تجمعات الأكثرية العربية بهدف تخريج مترجمين ، فحسب،مع العوام  ؛  بينما قبل بتدريس مستوى محسوب  من اللغة العربية  لبضع ساعات لصالح العرب ، و حرم منها إخوتهم الزنوج في وادي النهر؛ كل ذلك  إمعانا في تجريد الشعب من أقوى رابطة للوحدة: الدين و لغة تعلمه!  لقد كان الفرنسيون ، قبل قرن، مدركين أن أعظم آفة تمزق وحدة الشعوب هي الفوضى  اللغوية ؛  فعملوا عليها، بين مكونات شعبنا،  لخلق بيئة الاضطراب السياسي و التوترات الاجتماعية ؛ حيث شعب واحد بألسنة و ألوان مختلفة، و ليس له لسان يجمعه! 
على أساس هذا الوعي المتقدم و الخطير ، أوجد الفرنسيون المناخ المناسب لتغذية روح التنافر بين الزنوج و العرب الموريتانيين على نحو مستمر؛ إذ شعب  بلا لغة توحده ، لا تنظيم له، و غياب عنصر  التنظيم  فيه، يعني  شعبا تائها؛ و جهوده مهدورة و بوصلته ، في كل أمر، ضائعة في أتون الصداعات الداخلية...  هذا ما أرادته فرنسا لشعبنا- و هذا ما كان! 
أخي محمد جميل !
أعرف أنكم تعيبون علينا شعورنا القومي في مسألة اللغة العربية ؛ لكن شعورنا بالانتماء لوطننا و لتعدده  العرقي و تنوعه الثقافي لا يقل عن افتخارنا بالانتماء لأمتنا الأرحب؛ و هذا لا يخدش في  إخلاصنا المتين لتاريخ شعبنا ؛ الذي كان موحدا بكل أعراقه خلف الإسلام و اللغة العربية ؛ و تحت سقفهما معا بنى أجدادنا، عربا و زنوجا، تراثهم و أمجادهم المشتركة و الخصوصية؛ فكان من ذلك عوامل إدامة حيوية تفاعلهم الثقافي و الحضاري عبر القرون.
أليس الأجدر بكم، و التاريخ هكذا، أن تعملوا على استعادة وحدة الموريتانيين على الأسس اللغوية و الحضارية التي توحدوا  عليها و بها قبل الغزو الاستعماري ؛ و أن تربطوا صلة الأرحام بين حاضرهم و ماضيهم بذات الأواصر اللغوية ؟ ألا تسعكم تلك الصورة من الوحدة ، التي قامت على الإسلام و العربية بين مكونات شعبنا ؛ عوض نشدانكم لتوحيده، قسرا ، تحت الوصاية اللغوية  لكوبولاني و موليير ؟!
إن وعيكم المتطلع بإخلاص و حماس إلى إنصاف الأقلية الناطقة بالفرنسية ، من الموريتانيين، و يدفعكم، بالتزامن،  لظلم الأكثرية الناطقة باللغة العربية  ، منهم، لا بد أنكم تستندون فيه إلى تأويل في الدين- فما هو؟
أخي محمد جميل!
أعرف أن عددا كبيرا من الشباب الموريتانيين راحوا ضحية حشو أذهانهم بمغالطات في موضوع اللغة العربية، من قبيل " فرض اللغة العربية على الزنوج" ، و " توظيف اللغة العربية لغايات سياسية و إديولوجية" ... و " بلدنا متعدد الأعراق" و " اللغة العربية سبب تخلفنا" ...؛ و كأن بلادنا وحدها، من جميع دول العالم، مخصوصة بالتعدد العرقي و التنوع الثقافي، و كأنه لا يوجد في العالم إلا الفوضى اللغوية بين مكونات شعوب الدنيا، و كأن موريتانيا حكمتها نخب معربة في البنك المركزي و البنوك التحارية ، و في وزارة المالية و الاقتصاد  و المشاريع التنموية الممولة من المؤسسات الدولية و الشركات الوطنية الكبرى كشركة اسنيم و شركة الكهرباء و شركة الماء و المراكز السياحية و وزارة التعليم العالي و البحث العلمي ... لكن مع هذا أعرف أنكم لستم وحدكم في هذا المسار الظالم و الخاطئ؛ كما أنكم لستم من تولى كبره أول مرة ؛ فقد سبقكم إلى الخطيئة " عكاشكة" الحركة الوطنية الديموقراطية Mnd ؛ الذين نبتوا، لغويا،  في المستنقع  الاستعماري و  حافظوا على إرثه اللغوي   ؛ فتصيدوا فيه قبل أية جهة سياسية أخرى ؛ و ناضلوا بجدارة - في لؤم و جحود لتاريخ اللغة العربية و دورها في الوحدة الوطنية التي يتغنوا بها  بالغدو و الآصال،دون مقترحات عملية - للحيلولة دون تحقيق تطلعات شعبنا إلى الوحدة الآمنة في لغته التاريخية و الدينية؛ ثم لحق بهم سفهاء الإخوان المسلمين؛ الذين اختصوا بوضع "مسحوق تجميلي زائف " من الدين على أهداف اليساريين في تحييد عامل اللغة العربية في الوحدة الوطنية؛ فكأنهم، الأمميين الإسلامويين و اليساريين، خيوط كبة واحدة  في موضوع تعويق اللغة العربية و تشويه المناصرين  لتحريرها من قيود الزيف و البطلان؛ التي يطوقها بها هؤلاء و أولئك ؛ متسببين في تخريب عرقي و توتر سياسي لا يهدءان ... فلقد تسبب اليساريون الموريتانيون، بعد هزيمة 1967، من حيث يحسبون أنهم يحسنون صنعا، في أذى شديد بسوء قصد ضد اللغة العربية و رجعت فيه  إليهم أسبقية الخطيئة في استمرار حالة الاغتراب اللغوي و الانفصام في هوية الدولة الوليدة إلى يوم الناس هذا ؛ كإرث ثمين  أبقوا عليه من الحقبة الاستعمارية؛ و كان دافعهم الأول  في هذا الإثم الحضاري  الوهم بأن الوعي الحداثي للموريتانيين  يكمن في تبني كل ما هو أجنبي و خارج عن التاريخ الثقافي للبلاد ؛ و ثانيا  لإضعاف الرابطة القومية و الثقافية و اللغوية المكينة  التي تميز بها الشناقطة-  عربا و زنوجا، قبل الفرنسيين و خلال عقود احتلالهم- مع المشرق العربي و الإسلامي... 
أخي محمد جميل منصور! 
مع الاقتراب من نهاية الرسالة، أريد منكم موقفا واضحا و بمنطق بسيط و سليم حتى يتمكن كثير ممن شوشتم على  علاقتهم باللغة العربية جراء موقفكم السلبي منها ... و سيكون الأنسب في هذا التوضيح دفعكم بالإجابة على الأسئلة التالية:
جاء في المادة (99) من الدستور الموريتاني :《 لا يجوز الشروع في أي إجراء يرمي إلى مراجعة الدستور إن كان يطعن في كيان الدولة أو ينال من حوزة أراضيها أو من الصبغة الجمهورية للمؤسسات أو من الطابع التعددي للديموقراطية الموريتانية أو من مبدأ التناوب الديموقراطي على السلطة و المبدأ الملازم له الذي يحدد مدة ولاية رئيس الجمهورية بخمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة ؛ و ذلك طبقا لما تنص عليه المادتان 26 و 28 المذكورتان سالفا 》. فما موقفكم ممن داس على منصوص و منطوق هذه المادة ؟
و جاء في ذات الدستور الموريتاني ، في المادة (6) منه 《 اللغات الوطنية هي العربية و البولارية و السونوكية و الولفية، اللغة الرسمية هي العربية》، فما موقفكم ممن داس و يدوس يوميا  في كل الحياة العمومية على اللغة العربية ؟ و ما الفرق دستوريا، في نظركم،  بين المادة (99) و المادة(6) من الدستور الوطني؟  و لما ذا تخرجون عن وقاركم ؛كأن الصواقع نزلت بساحتكم، عند ما يطلق شذاذ آفاق غوغائيون فقعات إعلامية تدوس على منطوق المادة (99) في موضوع التناوب على السلطة؛ بينما تتصدرون التنظير للتفريط العملي،  من جانب أغلب أطر الدولة العاملين فيها،  بحرمة منطوق المادة (6) ، و التساهل فيها؟ و ما معنى تعلقكم بالمادة (99)و استهتاركم بالمادة(6)؟! ؛ و ما قيمة رسمنة لغة وطنية مع  منعها من التطبيق في الحياة العامة في بلدها؟ أي منطق.. و أي ميزان للقانون في هذا النهج  المؤمن ببعض القانون و الجاحد لبعضه ؟!  ...  أم تحسبون أن الإبقاء على رسمنة اللغة العربية، حبرا على ورق، دون إنفاذها  قانونيا، كاف للتضليل  بوصفها مجرد أداة عاطفية ، ليس أكثر؟ 
ما الذي تبقى في أيديكم  مما ترغبون في تسديده ضد اللغة العربية، على مر أكثر من أربعة عقود،  سوى تحضير كفن بلون السواد لها و التبرع بتقديم الأجر لمن يحفر  قبرها و يتعجل في دفنها! 
ختاما، أعرف أن هذا الجهد لن يأتي بتصحيح للموقف من اللغة العربية ، لا من جانبكم و لا من جانب أولياء العهد الاستعماري الماسكين بمقاليد الأمور ... لكن يبقى لبنة في تثبيت أسس الوعي الصحيح بما تتعرض له اللغة العربية من إهانة بأيدي قوى سياسية و نخبوية موريتانية ؛ فضلا عن ذلك بأهمية التدوين للتاريخ و للبناء عليه بالنسبة لمن يأتون بعد جيلنا حتى يتفاعلوا، عن بصيرة،  مع أحداث التاريخ و مواقف الناس، حيال الوقائع  بموضوعية و إنصاف، حين تكف  فرنسا- كما عرفها الموريتانيون -  عن  الوجود ...
سيذكر التاريخ انشغالات  نخب بتكبيل اللغة العربية عن مجرى الحياة العامة لشعبها، و إلى جانبهم معاناة نخب وطنية أخرى ناضلت  لاستعادة اللغة العربية لدورها المحوري في توحيد العرب و الزنوج الموريتانيين. إن ما نأمله أن يسجل التاريخ أن موريتانيين ناضلوا ضد الاستعمار اللغوي الفرنسي ، فتصدى لهم موريتانيون ناضلوا في سبيل إدامته...
___
في 23 أكتوبر 2026