بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.
منذ أن هبطت الطائرة الفرنسية التي أقلّت آية الله روح الله الخميني إلى مطار مهرآباد في طهران في الأول من شباط/فبراير 1979، دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة من تاريخه السياسي والاستراتيجي. فقد انتهى عهد الشاه محمد رضا بهلوي، الحليف الأقرب للولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة، وقامت الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي رفعت شعارات ثورية غير مسبوقة، كان أبرزها "الموت لأمريكا" و"الموت لإسرائيل". ومنذ ذلك التاريخ، تشكلت صورة ذهنية عالمية تقوم على أن إيران تمثل رأس الحربة في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، بينما تعتبرها واشنطن وتل أبيب أكبر تهديد لمصالحهما في الشرق الأوسط.
لكن بعد مرور أكثر من أربعة عقود على الثورة الإيرانية، لا يزال سؤال كبير يفرض نفسه على الباحثين والمراقبين: هل كانت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل علاقة عداء مطلق كما يظهر في الخطاب السياسي والإعلامي؟ أم أن خلف الستار شبكة معقدة من المصالح والاتصالات والتفاهمات غير المعلنة التي تجعل الصورة أكثر تعقيداً مما تبدو عليه؟
إن الإجابة عن هذا السؤال لا يمكن أن تكون بنعم أو لا، لأن العلاقات الدولية لا تُبنى على الشعارات وحدها، وإنما على موازين القوى والمصالح الاستراتيجية والحسابات الجيوسياسية طويلة المدى.
قبل الثورة الإيرانية كان الشاه يمثل أحد أهم أركان الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط. فقد كانت إيران جزءاً من منظومة الاحتواء الأمريكية للاتحاد السوفييتي، كما أقامت علاقات وثيقة مع إسرائيل في مجالات الأمن والاستخبارات والطاقة. ولذلك بدا سقوط الشاه في عام 1979 بمثابة كارثة استراتيجية للولايات المتحدة وإسرائيل، خاصة أن النظام الجديد أعلن منذ الأيام الأولى رفضه للنفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة.
غير أن بعض الباحثين يطرحون تساؤلات حول الظروف التي أحاطت بعودة الخميني إلى إيران. فقد كان يقيم في فرنسا قبل الثورة، وتحرك بحرية نسبية، ونُقلت خطاباته وتصريحاته إلى الداخل الإيراني عبر وسائل الإعلام العالمية. ويرى أصحاب هذا الرأي أن القوى الغربية لم تبدِ حماساً كبيراً للدفاع عن نظام الشاه في أيامه الأخيرة، رغم أنه كان أحد أهم حلفائها. لكن هذا الطرح لا يعني بالضرورة أن الغرب صنع الثورة أو خطط لها، فالثورة الإيرانية كانت نتاجاً لعوامل داخلية معقدة شملت الاستبداد السياسي والتفاوت الاجتماعي والفساد والتوتر بين المؤسسة الدينية والنظام الحاكم.
ومع ذلك، فإن التساؤلات حول الموقف الغربي من سقوط الشاه ظلت حاضرة في النقاشات السياسية حتى اليوم.
بعد أشهر قليلة من نجاح الثورة، وقعت أزمة احتجاز الرهائن الأمريكيين في السفارة الأمريكية بطهران، والتي استمرت 444 يوماً. وقد بدت تلك الأزمة دليلاً واضحاً على عمق العداء بين الطرفين. لكن المفارقة أن السنوات اللاحقة كشفت أن السياسة الدولية أكثر تعقيداً من الشعارات.
فخلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت بين عامي 1980 و1988، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام معضلة استراتيجية. فمن جهة كانت تعتبر إيران دولة معادية، ومن جهة أخرى كانت تخشى من انتصار عراقي كاسح يخلّ بالتوازن الإقليمي. وفي منتصف الثمانينيات انفجرت فضيحة "إيران – كونترا" التي كشفت عن قيام مسؤولين أمريكيين ببيع أسلحة لإيران بصورة سرية رغم الحظر المعلن.
شكلت هذه القضية نقطة تحول مهمة في فهم طبيعة العلاقات الدولية. فقد أظهرت أن العداء السياسي لا يمنع إقامة اتصالات أو صفقات عندما تقتضي المصالح ذلك. كما كشفت أن واشنطن كانت مستعدة للتعامل مع طهران خلف الكواليس رغم الخطاب العدائي المتبادل.
أما إسرائيل فقد وجدت نفسها خلال الحرب العراقية الإيرانية أمام معادلة مختلفة. ففي تلك الفترة كان العراق بقيادة صدام حسين يمثل تهديداً استراتيجياً مباشراً لإسرائيل، خاصة بعد تطويره برامج تسلح متقدمة. ولذلك اعتبر بعض صناع القرار الإسرائيليين أن استمرار الحرب بين العراق وإيران يخدم المصالح الإسرائيلية لأنه يمنع أياً من الطرفين من تحقيق تفوق إقليمي حاسم.
ومن هنا ظهرت تقارير متعددة تحدثت عن وصول معدات عسكرية وقطع غيار إسرائيلية إلى إيران خلال سنوات الحرب. وقد استخدمت هذه الوقائع لاحقاً من قبل أنصار نظرية "التحالف السري" بين إيران وإسرائيل، لكن الوقائع التاريخية تشير إلى أن هذه الاتصالات كانت مرتبطة بظروف الحرب وموازين القوى أكثر من كونها تعبيراً عن تحالف دائم.
في الواقع، تكشف دراسة السياسة الإيرانية منذ عام 1979 عن ظاهرة لافتة تتمثل في الجمع بين الأيديولوجيا والبراغماتية. فالنظام الإيراني يعتمد على خطاب ثوري قائم على مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه في الوقت نفسه أظهر مرونة كبيرة عندما اقتضت المصالح الوطنية ذلك.
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، قدمت إيران دعماً غير مباشر للجهود الأمريكية ضد حركة طالبان في أفغانستان، لأن طالبان كانت تمثل عدواً مشتركاً للطرفين. وبعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وجد الأمريكيون والإيرانيون أنفسهم يتعاملون مع واقع سياسي جديد أدى إلى تداخل المصالح والصراعات في آن واحد.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات الشرق الأوسط الحديث. فالولايات المتحدة أسقطت نظام طالبان المعادي لإيران في أفغانستان، ثم أسقطت نظام صدام حسين الذي خاض حرباً مدمرة ضد إيران لثماني سنوات. ونتيجة لذلك ازداد النفوذ الإيراني في كل من أفغانستان والعراق بصورة لم تكن ممكنة قبل التدخلات الأمريكية.
وقد دفع ذلك بعض المحللين إلى التساؤل: هل كانت السياسات الأمريكية تخدم إيران بشكل غير مباشر؟
لكن الإجابة الأكثر واقعية هي أن واشنطن كانت تسعى لتحقيق أهدافها الخاصة، وأن النتائج النهائية لم تكن دائماً كما خطط لها صانعو القرار الأمريكيون. فالسياسة الدولية مليئة بالنتائج غير المقصودة التي قد يستفيد منها الخصوم أكثر من الحلفاء.
أما فيما يتعلق بإسرائيل، فإن العلاقة مع إيران مرت بمراحل مختلفة. ففي العقود الأولى بعد الثورة كان الصراع بين الطرفين محدوداً نسبياً مقارنة بما أصبح عليه لاحقاً. لكن مع تنامي النفوذ الإيراني في لبنان وسوريا وغزة والعراق، بدأت إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول لأمنها القومي.
ومع تقدم البرنامج النووي الإيراني، تصاعدت المخاوف الإسرائيلية بصورة غير مسبوقة. وظهرت تقارير عديدة حول عمليات استخباراتية وهجمات سيبرانية واغتيالات استهدفت علماء ومنشآت داخل إيران. كما شهدت السنوات الأخيرة مواجهات مباشرة وغير مباشرة بين الطرفين في سوريا والعراق والبحر الأحمر والخليج العربي.
ورغم هذا التصعيد، فإن بعض الباحثين ما زالوا يعتقدون أن الصراع بين إيران وإسرائيل يخضع لقواعد غير مكتوبة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة. فكل طرف يدرك أن المواجهة المفتوحة قد تكون مكلفة للغاية، ولذلك يفضل الطرفان إدارة الصراع ضمن حدود معينة.
ومن هنا نشأت فكرة "العداء المنضبط"، أي الصراع الحقيقي الذي يتم التحكم في مستواه لمنع خروجه عن السيطرة.
ومن منظور أوسع، يمكن القول إن الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل استفادت بدرجات مختلفة من استمرار حالة التوتر. فالقيادة الإيرانية تستخدم المواجهة مع واشنطن وتل أبيب لتعزيز شرعيتها الثورية وحشد مؤيديها. وإسرائيل تستخدم الخطر الإيراني لتبرير سياساتها الأمنية وتعزيز علاقاتها مع حلفائها. أما الولايات المتحدة فتستفيد من استمرار التهديدات الإقليمية للحفاظ على وجودها العسكري وشبكة تحالفاتها في المنطقة.
لكن هذا لا يعني وجود مؤامرة مشتركة أو تنسيق دائم بين الأطراف الثلاثة. بل يعني أن لكل طرف مصالحه الخاصة التي قد تتقاطع أحياناً رغم استمرار الصراع.
لقد أثبتت التجربة التاريخية منذ عام 1979 أن العلاقات بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل لا يمكن فهمها من خلال الشعارات وحدها. فالعداء حقيقي في كثير من جوانبه، والعقوبات حقيقية، والاغتيالات حقيقية، والحروب بالوكالة حقيقية، والخسائر البشرية والاقتصادية التي تكبدتها جميع الأطراف ليست مجرد مسرحية سياسية.
وفي المقابل، فإن وجود اتصالات سرية أو تفاهمات مؤقتة أو صفقات محدودة في بعض المراحل هو أيضاً حقيقة تاريخية لا يمكن إنكارها.
لذلك فإن السر الحقيقي للعلاقة بين هذه الأطراف لا يكمن في وجود تحالف خفي دائم ولا في وجود عداوة مطلقة، بل في الطبيعة المركبة للسياسة الدولية نفسها. فالدول لا تتحرك وفق المشاعر أو الشعارات الأيديولوجية فقط، وإنما وفق حسابات المصالح والقوة والأمن القومي.
وبعد أكثر من ستة وأربعين عاماً على الثورة الإيرانية، ما زالت العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل تمثل أحد أكثر الملفات تعقيداً في العالم. فهي علاقة تجمع بين الصراع والتفاوض، وبين المواجهة والتفاهم، وبين الأيديولوجيا والبراغماتية. وربما يكون هذا التناقض الظاهري هو السر الأكبر الذي جعل هذا الملف محط اهتمام الباحثين وصناع القرار طوال العقود الماضية.
إن قراءة متأنية للأحداث منذ عام 1979 تقود إلى استنتاج مهم: ليس كل ما يعلن في السياسة يعكس الحقيقة كاملة، وليس كل ما يجري خلف الكواليس يعني وجود تحالفات سرية. وبين هذين الحدين تتحرك العلاقات الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية في مساحة رمادية واسعة، حيث تتداخل المصالح مع العقائد، وتختلط الصراعات بالتفاهمات، وتبقى الحقيقة الكاملة موزعة بين ما يقال علناً وما يبقى طي الكتمان.
▪︎بقلم : أ.د ياسر طالب الخزاعله.
المفرق- الأردن.
١٠ يونيو ٢٠٢٦م




