ھل سقط الإخوان في الفخ الذي نصبوھ لغيرھم؟

بواسطة yahya

يمكن صياغة المقال بصورة تحليلية متماسكة تتجاوز الاتهامات الشخصية إلى مناقشة الإشكال السياسي والفكري الذي تطرحه القضية:

بين المساءلة والانتقائية: هل سقط الإخوان في الفخ الذي نصبوه لغيرهم؟

في الحياة السياسية كثيراً ما يتحول المبدأ إلى أداة، وتتحول الشعارات إلى وسائل صراع أكثر منها معايير ثابتة للحكم على الوقائع. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك ما تشهده الساحة الموريتانية منذ سنوات من جدل متواصل حول ملفات الفساد والمال العام والعمل الخيري والسياسي، حيث تتقاطع الحسابات الحزبية مع الاعتبارات الأخلاقية، ويختلط السعي إلى الإصلاح بالرغبة في تصفية الحسابات.

لقد لعب التيار الإسلامي، ممثلاً في جماعة الإخوان وحلفائها، دوراً بارزاً خلال السنوات الماضية في الدفع نحو فتح ملفات الفساد وملاحقة المسؤولين السابقين. وكان حضوره الإعلامي والسياسي واضحاً في معارك المساءلة التي طالت الرئيس السابق وعدداً من كبار المسؤولين والموظفين، كما ظهر بقوة في ملفات أخرى أثارت الرأي العام، سواء تعلق الأمر بقضايا مالية أو اتهامات بتبييض الأموال أو تجاوزات إدارية مختلفة.

في تلك المرحلة رُفعت شعارات الشفافية والمحاسبة باعتبارها قيماً لا يجوز التهاون فيها، وأُقنع الرأي العام بأن لا أحد ينبغي أن يكون فوق القانون، وأن مقتضيات العدالة تفرض إخضاع الجميع للتحقيق مهما كانت مكانتهم الاجتماعية أو السياسية أو الدينية.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل بقي هذا المبدأ ثابتاً عندما أصبحت بعض دوائر التيار الإسلامي نفسها موضع تساؤل ومطالبة بالتحقيق؟

فقد أثارت قضية التبرعات الموجهة إلى غزة نقاشاً واسعاً داخل المجتمع الموريتاني، خاصة بعد تداول تصريحات ومعلومات متضاربة حول مسارات تلك الأموال وآليات إيصالها إلى مستحقيها. وبغض النظر عن صحة الاتهامات أو بطلانها، فإن جوهر القضية لا يتعلق بالإدانة المسبقة، وإنما بحق المجتمع في معرفة الحقيقة. فالأموال التي جمعت باسم التضامن الشعبي ليست ملكاً لأفراد أو تنظيمات، وإنما أمانة عامة يحق للمتبرعين أن يطمئنوا إلى وجهتها النهائية.

إن المطالبة بالشفافية في هذا الملف لا تختلف من حيث المبدأ عن المطالبة بالشفافية في أي ملف آخر. فإذا كانت المساءلة واجبة عندما يتعلق الأمر بموظف أو وزير أو رجل أعمال، فإنها تصبح أكثر إلحاحاً عندما يتعلق الأمر بأموال جُمعت باسم قضية مقدسة في وجدان الأمة مثل قضية فلسطين.

ومن هنا يبدو غريباً أن يتحول مطلب الكشف والتوضيح لدى بعض الأطراف إلى مؤامرة أو استهداف سياسي، بينما كان المطلب نفسه يُقدَّم سابقاً باعتباره واجباً وطنياً وأخلاقياً لا يقبل النقاش.

وفي خضم هذا الجدل برزت محاولة لإعادة توجيه النقاش نحو قضايا أخرى، من بينها السجال المتعلق بملف الإرث الإنساني والمطالبات بتوسيع مقاربته ليشمل جميع ضحايا المظالم التاريخية دون حصره في إطار إثني معين. وقد سارع بعض الفاعلين إلى تصوير هذه المبادرات باعتبارها تعبيراً عن موقف قومي أو ناصري معادٍ لمكونات بعينها، في حين أن الموقعين على تلك الوثائق ينتمون إلى اتجاهات سياسية وفكرية متعددة يصعب اختزالها في إطار أيديولوجي واحد.

والحقيقة أن ربط كل خلاف سياسي بالصراع التقليدي بين القوميين والإسلاميين لم يعد يفسر واقع الساحة الموريتانية اليوم. فالتوازنات التي حكمت عقوداً سابقة تغيرت، والأجيال الجديدة أصبحت أكثر اهتماماً بقضايا الحوكمة والعدالة والتنمية والسيادة الوطنية من اهتمامها بالاستقطابات الإيديولوجية القديمة.

ومع ذلك فإن هذا لا يعني انتهاء دور الفكر القومي أو تراجع الحاجة إلى مشروع وطني جامع. فخصوصية المرحلة الدولية الراهنة، في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها النظام العالمي وتصاعد الضغوط الخارجية على الدول والشعوب، تجعل من الضروري إعادة الاعتبار لفكرة العمل الوطني المشترك القائم على الاستقلال والسيادة والدفاع عن المصالح العليا للبلاد.

إن المطلوب اليوم ليس انتصار القوميين على الإسلاميين ولا انتصار الإسلاميين على القوميين، وإنما انتصار الدولة على منطق الجماعات، وانتصار الشفافية على الانتقائية، وانتصار الحقيقة على الدعاية.

فحين تكون المحاسبة للجميع تصبح عدالة، وحين تستثني الأقوياء وتطارد الخصوم فقط تتحول إلى أداة صراع. وحين تكون الشفافية مبدأ عاماً تحمي المجتمع، أما حين تصبح سلاحاً يُشهر في وجه المنافسين ويُخفى أمام الحلفاء فإنها تفقد معناها الأخلاقي والسياسي معاً.

إن موريتانيا اليوم أحوج ما تكون إلى ثقافة وطنية جديدة تجعل القانون فوق التنظيمات، والمصلحة العامة فوق الولاءات الضيقة، والحقيقة فوق الحسابات الحزبية. فالأوطان لا تُبنى بالغلبة الإيديولوجية، وإنما تُبنى بالعدالة والثقة والقدرة على إخضاع الجميع للمعيار نفسه دون استثناء.

حمادي سيدي محمد آباتي